موجز الخبر

القاهرة في 100 عام... ماذا جرى لمدينة الألف مئذنة؟ احتضنت الفن والثقافة من الثلاثينيات إلى الستينيات... وتحولات اجتماعية أصابتها منذ السبعينيات للألفية الجديدة

أمينة خيري "إذا عُدّت المدن العواصم العظمى في العالم، فالقاهرة واردة بالتأكيد في العشرة الأولى أو العشرة ونيف. وهي المدينة الأولى (المطلقة) في قطاع هائل متصل من العالم القديم. وإن حُصرت العواصم المخضرمة العريقة في الدنيا، فلعلّ القاهرة (وأسلافها أو بأسلافها) هي أم المدن جميعاً. أما إذا اعتبرنا الوزن الحضاري والنفوذ السياسي والوقع والإشعاع القومي والفكري، فما من عاصمة فيما نظن لها في دولتها ما للقاهرة من ثقل ومركزية طاغية وسيطرة أو توجيه، بل وإلى حد الإفراط ربما. هذه إذن هي القاهرة: تاريخ مفعم مجمد أو محفوظ، كل حجر فيها مشبع بحجر الماضي وعرقه، وكل شبر منها يحمل بصمات الإنسان". هكذا رآها جمال حمدان في كتابه "القاهرة" الصادر عام 1993. مدينة "مصر" أما الرَّحالة ابن بطوطة فوصفها في عام 1326 م، بقوله، "ثم وصلتُ إلى مدينة مصر، هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط الرجل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجال، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف. تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها، شبابتها يجد على طول العهد، قهرت قاهرتها الأمم. ولها خصوصية النيل الذي أجّل خطرها وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة مؤنسة لذوي الغربة". وتابع، "مدينة القاهرة الحالية مدينة موغلة في القدم مثل نهر النيل. ومن الخطأ التأريخ لها بإنشاء الخليفة الفاطمي المعز لدين الله لها. وقد أهّلها موقعها المتوسط بين الوجهين البحري والقبلي ميزة فائقة لتكون مدينة مهمة تمثل في مدينة مصر (حي مصر القدمية حالياً) التي أخذ منها القطر المصري اسمه التاريخي الخالد، مصر". تأريخ مصور هكذا استهل الكاتب والباحث في التاريخ والموظف السابق في وزارة الأشغال (التي كانت تعني بتخطيط الشوارع وتسميتها وتحديد حدودها وتوثيق مبانيها وصيانة المباني الحكومية) فتحي حافظ الحديدي كتابه "التطور العمراني لشوارع القاهرة" (2009) الذي يعد تأريخاً مصوراً ومفسراً لما جرى في القاهرة. "مدينة الألف مئذنة هي أيضاً مدينة البناءات الحديثة الإكلكتيك (متعددة التصميمات)، مدينة الإحياء والرومانسية في مطلع القرن العشرين، مدينة التعبيرية الخرسانية، والتصميمات الحداثية. التأريخ لمعمار مصر في القرن العشرين ليس مادة مطروقة. الغالبية تركز على المعمار القديم، والعصور الوسطي، والإرث المعماري الحديث حتى أواخر القرن الـ19. من العمارة السكنية الأنيقة في منطقة غمرة، التي صممها أنطوان سليم النحاس في عام 1937، إلى المعمار التجريبي في عدد من الكنائس، لنماذج فريدة في التصميم مثل مجمع التحرير ومبنى جامعة الدول العربية، القاهرة تحتضن نماذج معمارية لا حصر لها، ومنها ما لا وجود لها في كتب المعماريين". هكذا صنفها محمد الشاهد في كتابه "القاهرة منذ عام 1900" واصفاً عمارة القاهرة الغريبة والفريدة. غرابة وفرادة لكن الغرابة والفرادة في القاهرة على مدار مئة عام ليست حكراً على العمارة. من يصدق أن هذا الحي الذي لا تظهر أرضه تحت وطأة الملايين المترددة عليه على مدار ساعات الليل والنهار وما بينهما، بين بائع ومشتر ومتسكع ومتجول ومار ومنتظر كان أحد مراكز الترفيه والفن الليلي في عشرينيات القاهرة؟ جمعت شوارع القاهرة في الأربعينيات والخمسينيات بين حداثة باريس وسحر فيينا (غيتي) حي الأزبكية – الوارد ذكره في مذكرات الكاتب والناشر والرائد الفني سي آر آشبي – كان نقطة الضوء التي أطلت منها منيرة المهدية على الجمهور المصري والعربي المتردد على معقل الفن الليلي في مصر، وذلك في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. يقول في مذكراته الموجودة في كينغز كولدج في كامبريدج أن الموقع الجغرافي لحي الأزبكية في وسط القاهرة أعطى الجماهير فرص متابعة عشرات المغنين، فكان بحق حي الحياة الليلية والرقص والغناء في عشرينيات وثلاثينيات القاهرة. اليوم وبعد مئة عام بالتمام والكمال، يقف حي الأزبكية نموذجاً صريحاً مباشراً للقاهرة التي كانت وتلك التي أصبحت. ورغم الباعة الجوالين المحتلين الأرصفة، وسيارات الأجرة المخالفة والعشوائية، وعمارات الحي التي كانت تراثاً ثم حولتها الفوضى والإهمال إلى أطلال تهيمن المقاهي على طوابقها الأرضية، فإن كل جدار به شقوق، وكل متجر فيه بضائع صينية رخيصة، وكل ناصية يهيمن عليها جيل الألفية الباحث عن هوية تقول إن أصالة الماضي بتعدد سكانه بين شوام وأرمن ويهود وقناصل أوروبا ويونانيين وبالطبع مصريون تركت آثارها غير القابلة للإزالة. مفاجآت وذكريات إزالة طبقات الغبار من على القاهرة على مدار مئة عام من 1920 إلى 2020 عملية شديدة التعقيد، مليئة بالصدمات حافلة بالمفاجآت مثقلة بالذكريات. من عشرينيات وثلاثينيات عامرة بالفن والانفتاح في قلبها النابض، وفتح أبواب مهن لنساء الطبقة المتوسطة لم تكن مفتوحة من قبل. وقتها لم يتململ الذكور، أو يطالبوا بعودتهن إلى بيوتهن، أو يستصدروا فتاوى مفصلة لترهيبهن وتصنيفهن ككائنات جنسية فقط لا غير. وشهدت الثلاثينيات ظهور النوادي الرياضية الخاصة، وارتياد النساء لها، وممارسة الرياضة من تنس وسباحة وشيش وحتى ملاكمة. واستمرت مظاهر الترف الأوروبي في المعمار تظهر واضحة في شوارع القاهرة، ولكن هذا لم يمنع من أن غالبية المصريين في العاصمة كانوا من البسطاء. ما أدراك ما الثلاثينيات؟ الثلاثينيات، وما أدراك ما الثلاثينات. القاهرة، التي يحاول البعض اليوم أن يحصرها في كونها مدينة إسلامية تهيمن عليها غالبية مسلمة ولا يسمح سوى للمسلمين بالتعبير العلني عن انتمائهم الديني، كانت تفاخر قبل تسعين عاماً بمدرسة الإسرائيليين القرائين الخيرية. المكان: حارة اليهود في حي الجمالية العريق. أما الطلاب، فهم أبناء اليهود المصريين من الفقراء وينفق عليها من تبرعات اليهود الأثرياء. في قاهرة الثلاثينيات، يقف المصريون في الشوارع مهللين يشاهدون محمل "كسوة الكعبة" وهي تطوف أرجاء العاصمة، وأصحاب المحال يفاخرون بزينتها احتفاء بالحدث. وفي مقدمة الموكب خيالة الجيش المصري، بعد استبدالهم بالجِمال التي كانت تقود الموكب منذ عهد شجر الدر. وفي عهد الملكة العظيمة خرج أوّل محمل في عهد المماليك والكسوة في صناديق مغلقة تحملها الجمال متجهة إلى أرض الحجاز. ورغم الخلافات السياسية والدينية، التي حالت دون إرسال الكسوة من مصر إلى الحجاز، إلا أن المصريين مازالوا حتى اليوم يفاخرون بصور قديمة تمثل فرحة أهل القاهرة واحتفائهم بمرور المحمل في شوارع مدينتهم. الحرب العالمية الثانية لكن القاهرة لم تكن فقط احتفالات واحتفاءات، لكنها كانت في أواخر الثلاثينيات وحتى منتصف الأربعينيات معاناة ومكابدة أهوال بفعل الحرب العالمية الثانية. فقد أدار الحلفاء منها الحرب الضروس فيما يختص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وزاد طين المعاناة بلة الاستعمار البريطاني واستغلال جيشه خيرات مصر وتعامله مع القاهرة باعتبارها حظيرة القوات البريطانية، يفعل بها وفيها ما يشاء. كابتن ووترفيلد وبحسب مذكرات وكتابات الكابتن البريطاني، الذي تحول للعمل الصحافي في جريدة "إيجيشبان غازيت" في القاهرة غوردون ووترفيلد. يقول إنه "في عام 1940، كان سكان القاهرة البالغ تعدادهم نصف مليون قد زادوا عدداً ببضع آلاف من الجنود البريطانيين القادمين من أنحاء "الإمبراطورية". كانت الشوارع والأرصفة تموج بشحد من الطواقي (جمع طاقية) والطرابيش التي يتخللها قبعات الكاكي من أكثر من طراز، ومع ذلك ظلت المدينة تفوح برائحة مألوفة في عواصم الشرق الأوسط هي عبارة عن مزيج من أبخرة العوادم وعرق حيوانات مجهدة وعبير بخور رخيص ثم رائحة الروث". ويمضي ووترفيلد سارداً الحياة في القاهرة – من رؤيته البريطانية - أثناء الحرب العالمي الثانية. "سيارات أتوبيس ثورنكرفت القديمة وعربات الترام كانت مجهدة تحاكي عناء الحمير، وتزينها أيضاً خرزقات زرقاء لدرء عين الحسود. المرور في القاهرة كان يضم عربات الكارو. وسيارات صغيرة فيات وأوستن تملكها الجالية الأوروبية، وكان على الجميع أن يتقاسموا الشوارع مع عدد متزايد باضطراد من سيارات الضباط ودراجات العساكر والشاحنات الحربية". شيكوريل وشملا قاهرة الأربعينيات الحديثة كانت تتحدث عن نفسها عبر واجهات المحال الكبرى مثل "شيكوريل" و"شملا" و"الصالون الأخضر": زجاج فاخر وأواني منزلية ومنسوجات وأدوات تجميل. "غروبي" محل الحلويات الشهير – الذي مازال يصارع من أجل البقاء في عام 2020- كان يعبق برائحة البن المحمص والحلويات الطازجة. فندق شبرد (الذي للأسف أغلق أبوابه في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 لأسباب غير معلنة، ظلت القاعات عامرة بأفخر أنواع المشروبات والأنبذة الواردة من الجزائر وفلسطين وجنوب أفريقيا. ويحكي ووترفيلد كيف أن قرار تقنين المواد الغذائية في لندن كان يقف على طرفي نقيض من توافر المواد الغذائية والفواكه والخضراوات في محال البقالة اليونانية وأسواق قاهرة الأربعينيات. عاش الجنود البريطانيون في القاهرة حياة مثالية بعيدة عن واقع القاعدة العريضة من السكان، لدرجة إنهم عزفوا عن مغادرتها. كوبري عباس ويبدو أن قاهرة الأربعينيات تأثرت كثيراً بمجريات الحرب العالمية الثانية، ليس فقط من حيث وجود آلاف القوات البريطانية على أرضها وفي وشوارعها، ولكن ألقت بظلال اجتماعية واقتصادية وسياسية عدة على أهلها. تناقصت شعبية الملك فاروق، ولم تفلح محاولاته امتصاص غضب المصريين المتزايد، لا سيما مع تصاعد سقف الآمال المصرية لجلاء المستعمر البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن كان لبريطانيا رأي آخر، ألا وهو الاستقلال المنتقص لتضمن وجودها. اندلعت تظاهرت الطلاب مطالبة بالجلاء. وفي أوائل عام 1949، انعقد مؤتمر طلابي ضخم في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، ونتج عنه خروج تظاهرة ضخمة توجهت إلى كوبري عباس حيث وقعت أحداث "كوبري عباس" الشهيرة". وعلى الرغم من أن كوبري عباس يقع على مشارف الجيزة، وأن جامعة فؤاد الأول (القاهرة) تقع في قلب الجيزة، فإن مفهوم "القاهرة" يشملهما، وربما هو ما أدى إلى ما يعرف بـ"القاهرة الكبرى" حيث محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية في أواخر القرن العشرين. حداثة باريس وسحر فيينا شوارع المدينة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وصفها مؤرخ أوروبي حينئذ بقوله، "إذا أردت أن تشاهد حداثة باريس وسحر فيينا، اذهب إلى القاهرة". فاخرت القاهرة بتنوع سكانها وتعدد أعراقهم وأجناسهم، وإن وقفت حدود التفاخر أمام جنود المحتل البريطاني. وقامت ثورة يوليو (تموز) 1952، ودخلت القاهرة حقبة الخمسينيات بخطى ثابتة أقل ما يمكن أن توصف بها هي "الذهبية". وإذا كان المصريون يتذكرون اليوم بمزيد من الفخر والشوق اللذين لا يخلوان من نوستالجيا عقود نهضة القاهرة في العقود الأولى من القرن العشرين، فإنهم مازالوا ينظرون إلى صحوة الخمسينيات والستينيات الثقافية والاجتماعية عبر آلاف الصور المسترجعة من هذين العقدين. صحيح أن قاهرة عقود القرن الـ20 الأولى شهدت إنشاء سلسلة من المتاحف العظيمة، وكلية الفنون الجميلة، وأول فيلم مصري، وأول قانون لتأسيس الأحزاب السياسية، وصدور دستور 1923، وبروز حزب الوفد، وصدور قانون المطبوعات الأول، لكن الملايين من سكان القاهرة يتذكرون قاهرة الخمسينيات وكأنها ستعاود الظهور مجدداً. البريق الأوروبي والحارة الشوارع الرئيسة براقة بريقاً أوروبياً. أما الجانبية، أو ما يسمى بـ"الحارة" فتعاني فقراً وردحاً بين "الستات" والرجال بجلاليب سرعان ما بدأت تختفي بعد ثورة يوليو (تموز) 1952 أمام زحف البدلة، بالإضافة بالطبع إلى "فتوة" لكل حارة. فسح أهل القاهرة ومعها الجيزة بين حدائق الحيوان في الجيزة أقدم وأعرق حدائق الحيوان في الشرق الأوسط والقناطر الخيرية وأهرامات الجيزة، وبالطبع تمشيات وفلوكات النيل العظيم. ظلت خمسينيات القاهرة محتفظة بالبعد عن المد الخرساني. لم تكن العمارات السكنية تتجاوز الخمس أو الست طوابق. وبقدوم الستينيات، بدأ عدد الطوابق في الزيادة المطردة. بالطبع كانت هناك استثناءات. يظن البعض أن عمارات قديمة عريقة شاهقة مثل الإيموبيليا تم بناؤها في أواخر الستينيات التي شهدت بدء عصر الارتفاعات. لكن الحقيقة هي أنها تشرف على شارعي شريف وقصر النيل في وسط القاهرة بدأ العمل فيها في عام 1938، وصممها مهندسان معماريان من أصول أوروبية وعاشا في مصر. وتم الانتهاس من بنائها في عام 1940. وكان المصريون يفدون على العمارة ذات الطوابق الـ13 باعتبارها مزاراً عجيباً غريباً. تمدد الخرسانة لكن ما بدا عجيباً غريباً في القاهرة قبل عقود أصبح معتاداً متوقعاً في قاهرة الستينيات وما تلاها. تمدد العمارات السكنية وارتفاعها المطرد صاحبه أيضاً تحول القاهرة إلى مركز للفن والثقافة والتنوير العربي، وهو ما انعكس على شوارعها وميادينها وسكانها، وكذلك نكهتها ومذاقها. لم يكن لويس آرمسترونغ وحده هو من قرر أن يعزف من أعلى جمل يركبه في رحاب الأهرامات، لكن سيدة الغناء العربي أم كلثوم هيمنت على المشهد ولم تكتف فقط بكونها قيثارة الشرق، بل أصبحت وجهة للعرب القادمين من كل موقع أملاً في حضور حفلها الشهري. هذا الحفل الشهري كان يشهد انقلاباً في شوارع قاهرة الستينيات. المقاهي كاملة العدد بالباحثين عن "سلطنة" الست. ولا حديث للجميع إلا رائعة أحمد رامي ورياض السنباطي "حيرت قلبي معاك" أو تحفة مأمون الشناوي والسنباطي "أنساك يا سلام" أو أيقونة مرسي جميل عزيز وبليغ حمدي "سيرة الحب" أو أسطورة أحمد رامي ومحمد عبد الوهاب "أنت الحب". واستمرت شوارع القاهرة في كونها مرآة لحفلات "الست" حتى عام 1973. ألقت "الحب كله" و"من أجل عينييك" و"القلب يعشق كل جميل"، و"ليلة حب" على سكان القاهرة وزوارها حتى بعد رحيلها في عام 1975. القاهرة الأخرى ظلت القاهرة تحاول الإمساك بتلابيب الفن والتنوير والجمال في سبعينيات القرن الماضي. لكن هذا العقد المفصلي المحوري بدأ يطبق قبضته على القاهرة ويطبق معاييره وقواعده لتبدأ القاهرة العريقة في التقهقر أمام القاهرة الأخرى. القاهرة الأخرى عبّر عنها الدكتور سيد خطاب في كتابه "بنية التحولات في الدراما المصرية في السبعينيات". سياسة الانفتاح الاقتصادي ومعها التهلهل والتقلب الاجتماعي التي انتهجها الرئيس الراحل السادات، والتحولات الكبرى والسريعة التي خضع لها المصريون نضحت بها شوارع القاهرة. توحشت الخرسانة، وتضاءلت قيمة الجمال والفن والرقي والعلم أمام ثقل المال وقيمه المادية وهرولة مرسلي المال من الخليج والعراق وليبيا لبناء المزيد من الخرسانة مع القليل من الجمال والرقي. ارتقاء ماكدونالدز ارتقت قاهرة الثمانينيات كما يعتقد البعض بظهور علامات مطاعم "ماكدونالدز" و"كنتاكي" بعد تسلل "ويمبي" البطيء في أواخر السبعينيات. لكن ما جرى في السبعينيات من هزات اقتصادية واجتماعية وثقافية مرتدية عباءات دينية تحول إلى زلازل وبراكين بلغ أوجها مع أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات. وبدلاً من التوسع في تشييد المتاحف والجامعات ودور السينما والمسرح والمكتبات، توسعت القاعدة العريضة من القاهريين بمباركة الدولة وسكوتها في بناء زوايا الصلاة في كل ركن، بما في ذلك حرم الأرصفة وأسفل الجسور وفي مداخل العمارات السكنية وأبهية الوزارات والهيئات الحكومية. حتى باعة القاهرة الجوالين تغيرت بضاعتهم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. المسواك وحبة البركة وكتب التفسير غير المعتمدة وملابس المحجبات وزيت العناية باللحي وشرائط الكاسيت المكفرة لهؤلاء وأولئك والناشرة لثقافة الفوقية الدينية والرافضة للتعددية والتسامح وغيرها أصبحت تنافس السلع الصينية الرخيصة والملابس البسيطة في شوارع العاصمة وميادينها. النزوح والضغوط وسارت القاهرة قدماً نحو الألفينيات. موجات الهجرة الداخلية والنزوح من القرى والمدن استعرت وتأججت، وانعكس كل ذلك على القاهرة التي أخذت هي الأخرى تتمدد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً كلما زاد ضغط النزوح إليها. جمال حمدان في رائعته "القاهرة" شرح أمراض المدينة وفسّر أوجاعها قبل سنوات طويلة من تفاقمها لدرجة الانفجار. القاهرة التي بزغت في عام 1897 للمرة الأولى في تاريخ مصر كمدينة نصف مليونية تحولت في عام 2020 إلى مدينة تحوي ما يزيد على 10 ملايين بالإضافة إلى الزوار، حيث نافس سكان القاهرة والنازحون إليها من القرى في سباق الأرانب المليوني. فمن مليونين تقريباً في عام 1947، إلى ثلاثة ملايين و350 ألفاً في عام 1960، إلى أربعة ملايين و300 ألف في عام 1966، إلى خمسة ملايين و80 ألفاً في عام 1976، إلى ما يقرب من 10 ملايين في أواخر عام 2019، تتضخم القاهرة وتتمدد وتتوغل وأحياناً تتوحش. القاهرة 2020 وعلى الرغم من أن خطة العاصمة الجديدة الجاري بناؤها على قدم وساق آخذة في التمدد دون هوادة. وهي لا تتمدد فقط بفعل فاعل من سكانها الأصليين، حيث جنون الإنجاب دون هوادة، ولكن تئن تحت وطأة النازحين من القرى ومدن الدلتا والصعيد، ناهيك عن العائدين من الخليج بعد توطين الوظائف، ومن العراق وليبيا بعد أزماتهما وصراعاتهما المتجددة. ومازالت القاهرة في 2020 تدفع ثمن المركزية الشديدة والاهتمام شبه الأوحد بالعاصمة وسكانها، تلك السياسات التي كانت ضمن أسباب سرعة سقوط نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك التي أبقى عليها منذ تسلمه رئاسة مصر بعد اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي لم يحد هو الآخر عن المركزية الشديدة، واعتبار مصر هي القاهرة، والقاهرة هي مصر. الإفراط في مركزية العاصمة كتب جمال حمدان "فيما بين إفراط العاصمية واستنزاف الريف وتضاؤل الأقاليم، تعاني مصر انفصالاً شبكياً بين العاصمة المتخمة والريف الأنيمي، حتى قيل إن هناك مصرين: مصر العاصمة: إقطاعية، لاندوقراطية، بيروقراطية، مستغِلة، ومصر الأقاليم: بروليتارية، زراعية، مأزومة، مستغَلة. لكن شوارع القاهرة وميادينها وعشوائياتها وسكانها وسلوكياتهم وأنماط أنشطتهم في 2020 تقول، إن ما رصده جمال حمدان بعينه الثاقبة علمياً، العبقرية اجتماعياً تغير هو الآخر. أغارت الأقاليم على القاهرة فعلاً وقولاً، شكلاً ومضموناً. ولم يعد هناك ريف زراعي مأزوم بالضرورة، بل ريف ينأى بنفسه عن الزراعة مأزوم بسبب موجات الهجرة المليونية نحو العاصمة، التي أصبحت هي الأخرى مأزومة بأحياء كاملة، أغلبها عشوائي يحوي ملايين النازحين من الأقاليم الباحثين عن فرصة في القاهرة. تحول الجانب الأكبر من شوارع القاهرة إلى كرنفال يومي تنضح تفاصيله بما جرى في العاصمة العربية الأكبر. أطلال مباني أثرية يبكي عندها متذكرو قاهرة الأربعينيات والخمسينيات، بقايا مبانٍ جميلة المعمار منسقة التصميم يمارس عندها معتنقو مذهب النوستالجيا هواية استحضار زمن الأصالة والهدوء والتهذيب، علب كبريت ووحوش خرسانية تكاد تجثم على أنفاس بعضها البعض في صراع محموم لحلب ما تبقى من خير القاهرة، منتجعات سكنية مغلقة على سكانها الفارين من جنون سباق الأرانب واجتياح الجيل الثاني والثالث من أبناء النازحين من الأقاليم، محاولات ترقيع هنا وترميم هناك للإبقاء على طابع يصارع رياح التحديث تارة ويناضل من أجل النجاة من الهدم والتشويه تارة أخرى. تكاتك العاصمة تكاتك مارقة وتروسيكلات صارخة أعلنت أن اليد العليا في الشارع باتت من نصيبها رغم أنف مئات الطرق الحديثة الجديدة وعشرات الجسور المتداخلة الرهيبة. خرسانة ممتدة وأخرى صاعدة إلى أعلى تقف بالمرصاد لبقايا القاهرة القديمة. لم تعد القاهرة القديمة حكراً على حي مصر القديمة، حيث مساجد القاهرة وكنائسها التاريخية المتعانقة، أو شوارعها الغارقة في أصالة زمان، بل أصبحت القاهرة القديمة حاضرة في تفاصيل حياة القاهرة اليومية. "زمالك" يصارع من أجل بقاء الطبقة الأرستقراطية رغم اجتياح العشوائية، "شبرا" و"منيرة" و"منيل" تصارع طواحين هواء الملايين الباحثة عن فرصة عمل فيها القليل من الجهد والكثير من المال. "مصر الجديدة" تجد نفسها ممزقة بين تاريخ حديث ذي أصول معمارية ظلت تباهي بها على مدار ما يزيد على مئة عام، وحاضر معاش حوّلها إلى جسور متشابكة وشوارع متناحرة وعمارات تناطح السحاب بدل الفيلات العريقة والمباني الأنيقة. "مدينة نصر" يطمئن سكانها أنفسهم بأنه ليس في الإمكان أقبح مما كان، ومن ثمّ فإن مخططات التطوير الخرساني وسياسات التحديث العمراني لا تقلق أهلها كثيراً. ورغم كل ما جرى في القاهرة وبها ولها، يظل هذا العبق غير محدد المصدر في الهواء. ويظل هذا الشعور بأن المدينة لم تصل بعد إلى شكلها النهائي طاغياً. ويظل سكانها، بمن فيهم أولئك الذين أسهموا في تشويهها وطمس معالمها الأصلية، على يقين بأن قاهرتهم تتمثل في كل كلمة شدا بها الفنان علي الحجار في رائعته "هنا القاهرة" واصفاً إياها بـ"القاهرة الساحرة الآسرة الهادرة الساهرة الساترة السافرة الزاهرة العاطرة الشاعرة النيرة الخيرة الطاهرة الصابرة الساخرة القادرة المنذرة الثائرة الظافرة". مئة عام من عمر القاهرة لا تمثل سوى قرن من عشرة قرون كاملة. لكن في هذه الأعوام المئة، أطبقت القاهرة على أنفاس التاريخ وجنت على قواعد الجغرافيا. زاد سكانها بالملايين، وتبدّلت وتغيّرت عشرات المرات، مرة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء، هي مدينة التناقضات دون منازع، وأرض الكثير من الأحلام والقليل من الكوابيس، تضغط على أعصاب سكانها حيناً لكنهم يسامحونها أحياناً ويعشقونها دائماً. ومازالت القاهرة تبحث عن هوية جديدة، أو عودة إلى هوية قديمة. مئة عام مرت من عمر القاهرة ، ومزيد من القرون في الطريق.